الثورة السورية لم تنهزم.. (مقال رأي)

  10 يوليو 2018    قرأ 676
الثورة السورية لم تنهزم.. (مقال رأي)

يرى بعض مؤيدي نظام بشار الأسد أن الأمور تسير في صالحهم وأن علامات الانتصار وانتهاء ما يسمونه بالأزمة بدأت تلوح في الأفق، من خلال استعادة السيطرة على الغوطة الشرقية، وريفي حمص الشمالي، وحماة الجنوبي، ليؤكد النظام أن المعركة الحاسمة ستكون في الجنوب السوري من ناحية، إلا أنه يخدعهم بأنه المنتصر من ناحية أخرى .

لكن الحقيقة التي لا يراها المؤيدون، أو يحاولون تجاوزها، هي أن الأسد لم يعد موجود في الحسابات الإقليمية، والدولية منذ زمن، ولم يتنبهوا إلى أن المفاوضات التي تمت في الغوطة الشرقية، والتي كانت تبعد عن قصر الشعب بضع كيلومترات فقط، لم يكن فيها للقابع هناك (الأسد) أي دور فيها، سوى تقديم القرابين من الضباط والمجندين التابعين له، كذلك الأمر في مفاوضات ريف حمص الشمالي، وريف حماة الجنوبي، إذ لم يكن له أي دور فيها.

والآن مفاوضات الجنوب السوري، (الأسد) أيضا هو بعيد كل البعد عنها، وممنوع عليه الاقتراب إلا لتقديم مزيد من القرابين التي نراها منذ بدء العمليات العسكرية على الجنوب السوري، حيث اكتظت بالجثث مشافي مدن حماة وحمص وطرطوس، وما أدراكم بما حدث في محافظة طرطوس، إذ تشير الإحصائيات إلى أن عدد الذين قتلوا من طرطوس في هذه الحرب، تجاوز مئة ألف قضوا دفاعا عن نظام الأسد، وأن كل المفاوضات تتم بين فصائل الجيش الحر من جهة، وممثلين عن روسيا الاتحادية من جهة أخرى.

أما على الصعيد السياسي فقد تم الاتفاق على مؤتمر الحوار الوطني في مدينة سوتشى الروسية، من قبل الدول الضامنة لاتفاق خفض التصعيد في العاصمة الكازاخية أستانة، وهي تركيا وروسيا وإيران، وانحصر دور بشار الأسد بالتنفيذ وحسب ، فقد تم في مؤتمر سوتشي إقرار ورقة المبادئ الإثني عشر، التي تم الاتفاق عليها بين وفد المعارضة، والأمم المتحدة، والتي رفضها النظام رغم المحاولات المستمرة من قبل الامم المتحدة لجعل النظام ينخرط بنقاشها، والقبول بها، دون إحراز أي تقدم، والأهم أيضا في مؤتمر الحوار الوطني، الإقرار من المجتمعين الذي تم انتقائهم من قبل بشار الاسد، أن دستور عام 2012 غير صالح، ولا بدّ من استبداله بدستور يلبي تطلعات الشعب السوري، من خلال موافقتهم على تسمية اللجنة الدستورية، وأن تكون مرجعيتها الامم المتحدة، ومع انتهاء أعمال مؤتمر سوتشي للحوار الوطني، وانتهاء العمليات العسكرية على الغوطة الشرقية، تم استدعاء بشار الاسد الى سوتشي وبمفرده، للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ليبلغه أن عليه إرسال أسماء ممثليه في اللجنة الدستورية إلى الأمم المتحدة بعد أن سلمه قائمة بالأسماء الذي ستكون ضمن اللجنة، لتنقضي عدة أيام على الاستدعاء، دون أن يرسل بشار الاسد إلى الأمم المتحدة قائمة الاسماء، ليصل لاحقا إلى دمشق مبعوث الرئيس الروسي للكسندر لافرنتييف ويحذر الاسد من المماطلة واللعب مع الكبار، وما هي إلا ساعات حتى تم إرسال القائمة الى الامم المتحدة.

في هذه الاثناء تم الايعاز للأسد بالتواصل مع ما يعرف بـ"قوات سورية الديمقراطية"، التي يشكل عمودها الفقري تنظيم (ب ي د) الإرهابي، في شرق سوريا، وإبرام اتفاق معهم حول إنهاء ما يسمى بـ"الإدارة الذاتية"، وأن هذا الاتفاق تم بموافقة أمريكية روسية، وأنه سيوقع على الاتفاق دون الخوض بأي تفاصيل، وأن هذه القوات وصلها الاتفاق ولن تستطيع فعل شيء على غرار الاتفاق الذي حصل بين الجمهورية التركية وروسيا الاتحادية في معركة "غصن الزيتون"، والذي على إثره هرب قيادات هذه القوات، قبل سقوط عفرين بأيام على أيدي الجيش الحر، بمساعدة القوات التركية.

أما اللقاء المرتقب في 16 تموز/يوليو الحالي بين الرئيسين الامريكي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، والذي سيعقد في العاصمة الفنلندية هلسنكي، فسيتم الاتفاق خلاله على المرحلة الثالثة حول الملف السوري، والذي سنرى من خلاله بدء خروج الميليشيات الايرانية من سوريا، وكذلك ميليشيا حزب الله التي بدأت بالفعل بسحب مقاتليها بشكل تدريجي، ضمن اتفاق امريكي روسي، مقابل رفع بعض العقوبات عن إيران، وإعطائها بعض الامتيازات الاقتصادية لمنع انهيارها، إذ ظهر ذلك للجميع من خلال انهيار سريع لسعر صرف العملة الايرانية، رغم كل المحاولات الإيرانية التي باءت بالفشل، وتسببت بموجات احتجاج واسعة على الأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد، والمطالبة بعودة القوات من سوريا ووقف دعم الاسد الذي يعتبر جزء من المشكلة بالنسبة للشعب الايراني، فضلا عن تفكيك ميليشيات الشبيحة، حيث بدء بالفعل تحويل قسم منهم الى السجون او التصفية وسحب أسلحتهم منعا من اندلاع مواجهات في المناطق الساحلية، لحظة اكتشاف الحقيقة بأنهم كانوا مجرد ادوات بيد بشار الاسد وقد تخلى عنهم.

لم يعد يخف على ذي عقل ان نظام الاسد لم يعد له وجود حقيقي، ولن يستطيع تحقيق الامن والاستقرار في سوريا بعد الان، وما هو الا أداة يتم استدعاءه وتسليمه قائمة الاعمال الواجب تنفيذها، بينما تنحصر صلاحياته بالضحك امام الكاميرات، والعودة لتنفيذ التعليمات دون اي نقاش، تطبيقا للتفاهمات والاتفاقات الدولية، خصوصا بين امريكا وروسيا فيما يتعلق بالخوض الجدي بالعملية السياسية للوصول الى تنفيذ بنود القرار 2254 والذي لم تتخلَ امريكا ودول اخرى عنه، والذي ينتهي بالانتقال السياسي بلا الاسد.

خلاصة القول أن الثورة السورية لم تنهزم بعد سبع سنوات ونصف أمام نظام الاسد، بل استطاعت تحجيم النظام وحصاره اقليما ودوليا.


مواضيع: