رحلة فتاة من التنمر الجنسي على الإنترنت إلى رائدة في مكافحة الجرائم الجنسية

  09 اكتوبر 2019    قرأ 374
رحلة فتاة من التنمر الجنسي على الإنترنت إلى رائدة في مكافحة الجرائم الجنسية

كانت أولمبيا في الثامنة عشرة من عمرها عندما انتشر مقطع فيديو حميمي لها على وسائل التواصل الاجتماعي دون موافقتها، لتنقلب حياتها بعد ذلك رأسا على عقب.

كان صاحبها هو مَن سجل الفيديو، لكن أولمبيا كانت الوحيدة التي ظهرت فيه. وكان الفيديو خاصا بهما ومن المفترض أنه أُعّد لهما دون غيرهما. لكن صاحبها ينكر أنه هو الذي نشر الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي.

وما أن وجد الفيديو طريقه للإنترنت حتى باتت أولمبيا معروفة باسم "المكتنزة المثيرة".

سقطت أولمبيا في دوامة من الاكتئاب العميق وقضت ثمانية أشهر لا تستطيع مغادرة منزلها، بل وحاولت الانتحار ثلاث مرات.

لكن بمرور الوقت أدركت أولمبيا أنها لم تكن الخاطئة بقدر ما كانت الضحية.

وأصبحت أولمبيا بذلك ناشطة وكتبت أول دعوى مكسيكية عن التنمر الجنسي عبر الإنترنت ليصدر تشريع يحمل اسمها "قانون أولمبيا".

وهذه هي الرواية الأصلية لأولمبيا.

في عامي الثامن عشر سجلتُ مقطع فيديو جنسي مع صاحبي. ولا أدري كيف انتشر الفيديو على واتساب، وقد ظهرتُ فيه عارية دون أن تتحدد هوية صاحبي.

وبدأ الناس يتحدثون عني، أما صاحبي فقد تركني أواجه المشكلة وحدي؛ منكرا أنه هو الموجود في الفيديو هربا من الحرج.

وجعل الناس يتكهنون مَن الذي ضاجعته في ذلك الفيديو.

ونشرت جريدة محلية على صدر صفحاتها قائلة إن مستقبلا واعدا كان ينتظرني كفتاة لولا أن سمعتي ساءت الآن على وسائل التواصل الاجتماعي. وباعت الجريدة أعدادا ضخمة. لقد كانوا يتكسّبون من لحمي.

وكنت أتلقى يوميا طلبات صداقة على وسائل التواصل الاجتماعي من رجال باحثين عن الجنس.

وبدأوا ينادونني "مكتنزة واوتشينانغو المثيرة" في إشارة إلى مدينتي في المكسيك.

ولما بدأ نطاق القصة يتسع أصبحتُ أُدعى "مكتنزة بويبلا المثيرة" في إشارة إلى الولاية التي تتبعها مدينتي.

وقتها شعرت أن حياتي انتهت؛ فحبستُ نفسي في منزلي لثمانية أشهر لم أجرؤ خلالها على الخروج منه.

وكنت لا أزال شابة صغيرة، ولم أدر إلى مَن أتوجه، ولا كيف أرفع الأمر إلى الجهات المعنية.

وفوق كل ذلك، فإن ما حدث وقع في فضاء العالم الإلكتروني، مما جعل الأمر يبدو كأن شيئا لم يحدث. فكيف أدافع عن نفسي لو كنت أنا مَن سجّلت الفيديو بنفسي؟

وقد حاولت الانتحار ثلاث مرات، أوشكتُ في إحداها على القفز من فوق أحد الجسور قبل أن ينزل أحد المارة من سيارته ويتحدث إليّ. ولا أدري إنْ كان يدري أنه أنقذ حياتي.

ولم تكن أمي تستخدم الإنترنت، ومن ثم فلم تدرِ شيئا عن القصة. وظننتُ أنّ وقتا طويلا سيمضي قبل أن تعرف أمي. وقلت لها إن ثمة شائعات عن فيديو، لكن لست أنا صاحبته.

'لقد عشتِ حياتك الجنسية'
لكن في أحد أيام الأحد، اجتمع أعضاء العائلة جميعا في منزلنا، وإذ بأخي ذي الأربعة عشر ربيعا يدخل ويرمي بهاتفه المحمول وسط المجلس، قائلا: "هذا فيديو موجود لأختي أولمبيا".

لحظتها انخرطت أمي في البكاء.

كان ذلك أسوأ يوم في حياتي. ألقيت بنفسي عند قدمَي أمي وطلبت منها الصفح ومن كل أعضاء أسرتي. وشعرتُ أنني مذنبة.

وقلت لهم إنني أريد أن أموت، وطلبت منهم أن يعينوني على ذلك.

وكان أنْ فاجأتني أمي، البسيطة التي لم تتم دراستها ولا تعرف الكتابة، بأن رفعتْ جبهتي ونظرتْ في عيني قائلة: "كلنا نخطئ، ابنة عمك، وأختك وأنا - كلنا نخطئ. الفارق الوحيد هو أنهم رأوكِ، وهذا لا يجعل منك مجرمة".

انتابتني الدهشة، وتابعتْ أمي قائلة: "لقد عشتِ حياتك الجنسية كالآخرين، وثمة دليل على ذلك. كان سيلحق بك الخزي لو أنك سرقت شيئا أو قتلت شخصا، أو حتى أسأت معاملة كلب".

وكانت هذه هي أول مرة أعرف فيها معنى التضامن الأنثوي، وأننا نحن الإناث عندما نتضامن نمثل قوة ضاربة.

وأعرف أنْ ليس لكل الفتيات أمهات كأمي، التي دعمتني في أوقاتي العصيبة. وتتعرض معظم الفتيات للنبذ في البيت أو المدرسة أو الجامعة أو مكان العمل - لا لشيء إلا لممارسة حياتها الجنسية.

وقامت أمي بفصل تليفون المنزل وكذلك الإنترنت، ووفرت لي حماية من العالم الخارجي. وجعلتني أشعر بالأمان في البيت.

لكن خارج المنزل كان الناس لا يزالون يلوكون اسمي، وكان البعض يأتي ويطرق باب البيت قائلا إن حديثا مثارا عن مقطع فيديو. وكنت أتوارى عنهم.

كالاغتصاب
لا يدري الناس شيئا عن تبعات هذا النوع من العنف. إنه يقيد الحرية، وينتهك الخصوصية، ويحدّ الحركة والحياة. ولا تجد الضحية أمامها سبيلا غير الإذعان وذلك لظنها أنها خاطئة.

وهنا مكمن الصعوبة في الوصول للعدالة.

إن كل نَقرة "إعجاب" على أي من تلك المنشورات تعتبر اعتداء، ضربة. كما إن نشر مادة حميمة لشخص دون موافقته يشبه الاغتصاب.

لم تكن مضاجعة، وإنما اغتصاب؛ لأنهم استخدموا جسدي دون موافقتي. صحيح إنها نسخة إلكترونية منه، لكنه جسدي على كل حال.

تملّكني شعورٌ بأنني لن يتسنَّ لي مبارحة منزلي مرة أخرى. كنت أرى العالم عبر نافذتي.

لكن شيئين أخرجاني من هذه العزلة.

كانت البداية، عندما دعاني صديق وطلب مني أن ألقي نظرة على مواقع تسخر من نساء أخريات، قائلا: "وبهذا ترين أنك لست الوحيدة، وأنهم يسخرون من أخريات لمجرد السخرية. وأنت تجيدين التحدث وقادرة على اجتذاب الأسماع. وعليك أن تفعلي شيئا في هذا الصدد".

وشاهدتُ كيف أن نساء يتعرضن للتهكم على الإنترنت لمجرد أن حواجبهن كثيفة، أو لأنهن شقراوات، أو عجفاوات، أو غير ذلك.

سلوك غير مقبول
لكن ما أشاط غضبي هو صورة لفتاة مصابة بمتلازمة داون. وقول أحد المعلقين على الصورة إنه لا يهم كيف تبدو، "ما دام يمكن استغلالها جنسيا".

عندئذ قلت: "هذا غير مقبول".

الأمر الثاني الذي دفعني إلى تغيير وجهتي، كان عندما نشرت الصحيفة ذاتها التي سخرت مني مادة أخرى عن امرأة كانت قد سرقت 40 زوجا من الأحذية.

وتصادف أني كنت أشهد المارة من النافذة، فرأيت هذه المرأة في الطريق.

وكانت ترتدي رداء أصفر فاقعا في يوم مشمس، وكان الجميع ينتقدوها، حتى بائعة الورد كانت تخفي منها ورودها كما لو كانت ستذبل إن هي طالعتها.

وخطر ببالي أول الأمر أن في انتظاري مصيرا يشبه مصير تلك المرأة ذات الرداء الأصفر إن أنا خرجت من منزلي.

لكنني عدتُ وسألتُ نفسي: "إذا كانت هي قد سرقت وخرجت إلى الشارع، فلماذا لا يمكنني أنا الخروج؟"

وبلا أي نظريات نسوية، بدأت أعرف أنني لست مَن يتحمل اللوم.

وفي نفس اليوم، ذهبت إلى الجهات المعنية وسجلت شكوى.

محنة ثانية
وبينما كنتُ ضحية تنشد الوصول إلى العدالة مررتُ بمحنة جديدة؛ ذلك أن الضابط المخوّل لمساعدتي طلب مني مشاهدة الفيديو، وما أن فعل حتى انفجر ضاحكا.

لقد كان يتلذذ بالمشاهدة في حضوري.

ثم قال: "لم تكوني مخمورة، ولا تحت تأثير مخدر، لم يغتصبك أحدهم. وطبقا لقانون العقوبات، لا توجد جريمة".

ووجدت نفسي أغادر المبنى غاضبة جدا.

ليلتها بت غارقة في التفكير، وحال الأرق بيني وبين النوم ونهضت في فراشي أتساءل: "ماذا يعني بأنه لا توجد جريمة؟"

وشرعت في التواصل مع أخريات تعرضوا للتعري عبر الإنترنت.

وشرحتُ لهم أنه لا فكرة لديّ عما تُدْعى به هذه الجريمة، ولا عن ماذا يجدر بنا أن نفعل، لكن كان علينا أن نفعل شيئا.

وشيئا فشيئا بدأت الأمور تتضح. وقد طرحنا معا مشروع قانون وتقدمنا به لولاية بويبلا.

وكان كثيرون قد نصحوني بأن أنسَ القصة، لكن ذلك كان يعني قبول الهزيمة.

الجميع بات يعرف مَن أنا وكيف يبدو شكل جسمي.

ما كنت أفعله لم يكن ليعيد لي حقي، لأن ما وقع لم يكن ليمنعه شيءٌ من الوقوع.

لكنني فكرت في كل الفتيات اللاتي يتعرضن لنفس التجربة - كل الفتيات اللاتي سيفكرن في الانتحار، تماما كما كنت أنا ذات يوم.

في البدء تَسمّى مشروع القانون باسم الهدف المرصود له وهو مكافحة العنف الجنسي عبر الإنترنت. وكانت المرة الأولى التي قُدّم فيها مشروع القانون في جلسة عامة بمكتب عمدة بويبلا.

وما أن دخلت مبنى البلدية حتى بدأ الجميع يتهامسون.

كان ذلك في مارس/آذار 2014، ولم أكن تجاوزت التاسعة عشرة من عمري.

أخبرتهم بأني أولمبيا "فتاة واوتشينانغو المكتنزة".

وتحدثت معهم عن الفيديو وقلت إن هناك كثيرا من الضحايا لهذا النوع من العنف.

وأطلعتْ الحضور على صور ملتقطة كاشفة أن بعض الجلوس قاموا بعمل مشاركات وإعجابات بذات الفيديو الذي ظهرتْ فيه على وسائل التواصل الاجتماعي.

وعندئذ قلت لهم: "أنتم المجرمون، لا أنا".

أنا لست خجلى من كوني ذات ثديين. لم أعد أجد حرجا في ممارسة حياتي الجنسية.

لقد وجدت ضالتي في هذه اللحظة وأخذتُ دفعة كبيرة من الطاقة.

بعد ذلك، حُظرَتْ الصفحة التي نشرت الفيديو الذي ظهرتُ فيه. وعزا المسؤولون الحظر إلى أن ثمة "امرأة مجنونة".

لكن كان لا يزال أمامي شوطٌ طويل.

وقال أحد أعضاء المجلس التشريعي إنه لا يمكنه دعم مشروع القانون لأنه بذلك يكون كمن يدعم الانحلال.

ولم يأت عام 2018 حتى صار المشروع قانونا.

واعتبر التشريع من قبيل الجريمة قيام أحدهم بمشاركة محتوى خاص بشخص آخر على الإنترنت بدون موافقة هذا الشخص. كما يناقش التشريع مسألة التنمر عبر الإنترنت وكذلك العنف الجنسي على الإنترنت. فضلا عن الدعوة لاتخاذ تدابير لزيادة الوعي العام بشأن نوع العنف.

ويظن عدد من المكسيكيين، على سبيل المثال، أن تبادل رسائل نصية جنسية مع شخص آخر يعتبر عُنفا. لكنهم مخطئون؛ ذلك أن تبادل أمثال تلك الرسائل هو حق من الحقوق الجنسية. إنما الجريمة في مشاركتها عبر الإنترنت دونما موافقة الطرف الآخر.

وسواء رأت المؤسسات ذلك مقبولا أم لا، فإنها يجب أن تخبر الشباب عن طرق آمنة لممارسة حياتهم الجنسية عبر الإنترنت.

وبعد سنوات من المفاوضات، تم تمرير القانون في بويبلا. وبات ساريا في إحدى عشرة ولاية مكسيكية أخرى حتى الآن.

"النساء ترغبن في الشعور بالأمان على الإنترنت"
أكثر من قانون. إنها قضية. نريد أن نرفع الوعي، وأن نمنع هذا العنف ونضع له حدا. النساء يردن أن يشعرن بالأمان على الإنترنت. لنكن واضحين أن العالم الافتراضي هو عالم حقيقي.

قام عدد من النساء بتدشين الجبهة الوطنية للسيدات، التي تتناول حالات التنمر الجنسي، وتحاول طمأنة الضحايا بأنهن لسن وحدهن.

إننا نحاول تعضيد النساء وتمكينهم لحماية أنفسهن وتفادي العنف الرقمي أو العنف عبر الإنترنت.

وقد أصبح التشريع معروفا باسم "قانون أولمبيا" وهو اسم أطلقته صحفية في مقالة لها تناولت القضية.

ضحكتُ لدى سماعي اسم القانون للمرة الأولى، لكنني أدركت أنه أكثر من إشادة وإقرار لصالحي. لقد كان بمثابة بناء جديد لكياني.

ذلك أنني لم أعد تلك الفتاة "المكتنزة المثيرة"، وقد بات اسمي مقرونا بقانون يجرّم الاعتداء والإيذاء عبر الإنترنت.


مواضيع: