"الأمر أخطر"... لماذا لا يقلق السودان من "سد النهضة" رغم أنه دولة مصب مثل مصر

  19 نفومبر 2019    قرأ 311
"الأمر أخطر"... لماذا لا يقلق السودان من "سد النهضة" رغم أنه دولة مصب مثل مصر

منذ بداية أزمة سد النهضة، كثرت التساؤلات حول دور السودان فيها مقارنة بالموقف المصري كدولتي مصب لنهر النيل، إذ بدا تحرك الخرطوم بطيئًا وليس معبرًا عن أزمة بحجم تلك الأزمة التي تهدد المصدر الرئيس للمياه في البلاد.
ويشير الكثير من المراقبين إلى أن الموقف السوداني الرمادي خلال المفاوضات الجارية طوال السنوات حول قضية السد جعله أقرب للموقف المحايد، بين الموقفين المصري والإثيوبي اللذين بكل تأكيد يجعلان مصالحهما كأولوية.

 

ولكن محمد يوسف القيادي في تجمع المهنيين السودانيين يرى أن الحديث عن سلبية السودان في الأزمة توصيف غير دقيق، "لأن كل ما يحدث بطول مجرى النيل يعني السودان بشكل رئيسي لأننا نعتمد بشكل كبير على النيل".

ويضيف في تصريحاته لـ"سبوتنيك" أن "الأفق الزراعي التنموي الذي يعتمده السودان خلال المراحل المقبلة يعتمد بشكل كامل على نصيب البلاد من النيل، فكيف نكون غير معنيين بسد النهضة؟".

"صحيح أن لدينا كمية من الأمطار ومخزون من المياة الجوفية وبعض الأنهار في الداخل، لكننا نعتمد على النيل في العديد من المشاريع القائمة على الري الصناعي بصورة كبيرة مثل مشروع الجزيرة وكنانة وغيرها من المشاريع".
ويتابع: "لسنا لاهين ولا متغافلين ولا متسامحين، فإذا أبدت الحكومة بعض التسامح ستواجه نقدًا من الشعب، وكذا إذا تشددت دون مبرر ستواجه بلوم شعبي، يهمنا ما يخدم مصلحة السودان دون أن يؤثر على المصالح القومية لدول الجوار".

ومع ذلك، يقول الكاتب السوداني محجوب محمد صالح في مقال على صحيفة "الراكوبة"، إن دور السودان ضعيف منذ بدء هذا النزاع، مع أنه صاحب مصلحة كبرى في مياه النيل، فيما بذلت القاهرة جهدا دبلوماسيا كبيرا في الأزمة حتى الآن، متسائلا: "هل سيتحرك السودان ليلعب دوراً رائداً؟".

ويرى الكاتب السوداني خالد التيجاني، في مقال له على صحيفة "إيلاف" أنه "لا أحد يعرف على وجه الدقة حقيقة موقف السودان، إن كان له ثمة موقف من معادلة سد النهضة المثير للجدل في ظل حسابات مصالح استراتيجية بالغة التعقيد وسباق أجندات متقاطعة أحياناً ومتناقضة في أخرى.

وأضاف أنه "لا يكاد يُعرف للبلد الأكبر مساحة في مجرى نهر النيل العظيم، والأعظم فرصاً للاستثمار في أراضيه الشاسعة، موقفاً مدروساً مستقلاً في شأن الصراع، بل بقي موقفه تابعا مرتبكا متأرجحا وفقا لحسابات سياسية آنية للنظام الحاكم في الخرطوم حينها".
وأشار إلى أن "علاقة تحالف سياسي وثيقة كانت تربط بين الرئيس السابق عمر البشير ورئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ميلس زيناوي، لافتا إلى أنه مع التغيير الكبير الذي حدث في السودان إلا أن قضية سد النهضة لا تزال تدار بأجندة موروثة من النظام السابق.

وشدد الكاتب على ضرورة نهوض الحكومة الجديدة للتعامل مع هذه القضية الحيوية على مصالح البلاد ومستقبلها بما تستحقه من اهتمام وجدية.

وحذر الكاتب من أن "الأمر أخطر من أن يترك لموقف موروث غير مدروس، أو لجهة فنية معزولة خارج سياق وأبعاد الصراع الوجودي المتصاعد في حوض النيل، فحروب المياه لم تعد مجرد احتمالا في سيناريوهات الدراسات الاستراتيجية بل باتت تطرق بقوة على أبواب السودان".
أما كمال حسن بخيت الكاتب والمحلل السياسي السوداني فقال لـ"سبوتنيك"، إن مصر والسودان بلد واحد ولا يمكن لأحدهما أن يترك الآخر لأن المصير مشترك.

ويقول: "نعم لن تتأثر حصة السودان بشكل كبير نتيجة سد النهضة، لكن المشكلة الأكبر أن السد له مخاطر سيئة بخلاف فترة الملء والتشغيل من حيث التصميم والأرض المقام عليها، وفي حال حدوث مشكلة ستتعرض السودان للمخاطر الكبرى قبل مصر".

ويرى المحلل السياسي أن الحديث عن توافق سوداني إثيوبي بعيدا عن مصر هى محاولة لإيقاع الفتنة بين البلدين.

وفيما يقال إن السودان لديه بدائل أخرى للمياه وبالتالي لا يعطي اهتماما كبيرًا للأزمة خصوصًا أن تعداد السكان يساوي أقل من نصف تعداد سكان مصر (42 مليون نسمة تقريبا)، يقول الدكتور إبرهيم الأمين الخبير شؤون المياه في دول حوض النيل والوزير السوداني السابق لـ"سبوتنيك"،

"لا يخفى على أحد الاهتمام المصري الأكبر بنهر النيل لأسباب تاريخية واقتصادية ومناخية، إذ إن الخيار الوحيد لها هو نهر النيل، ولكن اهتمام الخرطوم بالنهر أيضا كبير جدا لأن البدائل الأخرى لم تعد مضمونة نتيجة التحول الحاصل في المناخ".

وأضاف: "الأمطار الآن في السودان وغيرها تغيرت مواعيدها وكمياتها وأماكن تساقطها، وبالتالي اعتماد أي بلد لكي يكون لديه تنمية وتصنع زراعي يجب أن يكون لديه ري دائم، لذا فإن اعتماد السودان على النيل مستقبلا كبير جدا".

وقالت الخبيرة في الشأن السوداني إيناس مزمل، في تصريحات صحفية سابقة، إن "الرؤية السودانية غير مكتملة حتى الآن"، لكنها تشير في ذات الوقت إلى "تحفظ السودان" في الإعلان صراحة عن موقفها الرسمي من سد النهضة.

وتضيف: "سد النهضة قضية شائكة بحكم الجيرة والتاريخ الطويل الذي يجمع السودان ومصر، إلا أن إثيوبيا قدمت وعود للسودان بمدها بالكهرباء، وهو أمر ضروري للسودانيين وفي حاجة إليه دفعت البعض منهم للخروج في مظاهرات".

وتشرح الباحثة أماني الطويل، مديرة البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن ما قد يبدو "تحركا إثيوبيا سريعا في السودان بسبب قضية سد النهضة فقط"، هو في واقع الأمر لدوافع إضافية أخرى بسبب اعتماد إثيوبيا على الموانئ السودانية واستيرادها ما يقرب من 80% مما تحتاجه من وقود من السودان.

وتخشى مصر من أن المرحلة الأولى من عملية ملء خزان سد النهضة إذا تزامنت مع فترة جفاف شديد في النيل الأزرق في إثيوبيا ستؤدي إلى تراجع كبير بمنسوب المياه في السد العالي بأسوان، بما يجعلها عرضة لخسائر اقتصادية وإنسانية ضخمة، وفقا لوزارة الخارجية المصرية.

وأعلن وزير الري والموارد المائية السوداني، ياسر عباس، أمس الاثنين، أن الدول الثلاث توافقت على الملء الأول لبحيرة السد، في فترة زمنية تصل 7 سنوات، وفقا لـ"هيدرولوكية" نهر النيل الأزرق.

كما أوضح الوزير السوداني أن التفاوض شمل موضوعات التشغيل الدائم لسد النهضة، وتأثيراته على منظومة السدود في كل من السودان ومصر، وأرجأ بحث القضايا الخلافية غير المتوافق عليها لشهري ديسمبر/ كانون الأول ويناير/ كانون الثاني المقبلين.


مواضيع: